لابد أن تشرق /بقلم المبدع /محمد كناكري

قصة قصيرة 

لابد أن تشرق ... 

ربيع عام 1999 كنت أعمل سائق تكسي وخياري كان العمل  بالليل لعشقي له وللوحدة، وقبيل الفجر بقليل استوقفني شاب وإلى جواره زوجته تحمل طفلة، في شيراتون دمشق قائلا جرمانا*1 
قلت : تفضل ففتح الباب الخلفي لزوجته ودونما انتظار صعودها، قفز إلى جواري ملتفتاً للخلف وتسربت منه رائحة كحول فاخر، هتف قائلاً : هيا اسرعي!! وهي تحاول الصعود بتئدة لئلا تزعج طفلتها النائمة، وكرر النداء.. هيا بنفاذ صبر... وتمتم وهو يسترد وجهه للأمام..تخالين نفسك سالومي.. ههه...ولولاك لم نعرف زرادشت!! *2
فلم أتمالك نفسي من الضحك بحشمة   فنظر إلي باستغراب ... فأردفت ضحكتي قائلاً : ولكنها سيرته الذاتية  وكان سيكتبها عاجلاً أو آجلاً بسالومي أو بدونها فازداد اتساع عينيه وخلت أن عيناه المتسعتان قد قفزتا لقمة جبهته.... ارتبك ولم يقل شيئاً... ومضينا باتجاه جرمانا... وبعد دقائق ولكأنه استعاد بعضاً من رباطة جأشه وابتدأ الحوارية التالية :
قائلا:كنا بحفل زواج قريب لزوجتي...ألزموني ببضعة أقداح. 
فقلت : ألف مبروك..... ولم ينبس ببنت شفة..ومن ثم بادر يحدث نفسه بصوت قريب من التمتمة  :
_ حياتي استهلكت بدوني*3. 
فرددت عليه بنفس نبرته:
قائلاً : أنا أتمرد إذا نحن موجودون.( كامو )
فقال :  نحن جميعا حالات خاصة. (كامو) 
فقلت :إن الخوَر يصيب المثقفين أكثر من غيرهم، لا لأنهم أقل شجاعةً، بل أكثر خيالا. ( كامو) 
فالتفت إلي قائلا : أخطأ هنا فالحاجة ماتصيب بالخور.... وليس الخيال.... وأردف... ماهي درجتك العلمية؟؟؟ 
فقلت : ما يكفي لأعرف أن أغلب الجامعيين في مجتمعاتنا نصف أميين وإن أحسنَّا الظن فنصف متعلمين. 
فقال : لم تجبني.. أ... أ.. عذرا... لا أريد احراجك!! 
فقلت : ليس من إحراج.... هي الإبتدائية.... 
فقال : تهتم بالفلسفة وروادها إذن؟؟ أتهوى الفلسفة؟؟
  (يغمز من طرف خفي لضحالة تحصيلي الأكاديمي.. مما استثارني). 
فقلت : ليس حكراً... فكل فكر علمي أو أدبي يستهويني ...وعلى سبيل الذكر لا الحصر، فقد
قرأت.. أنياذة فيرجيل وألياذة وأوديسة هوميروس والأرض اليباب ل. ت. س إليوت.. قد صاحبت الفراهيدي ردحا...  وفرويد..ويونغ وإدرلر... صادقت كارل ساغان.... وولسن.... وسارتر..  وأعتبر نفسي أفضل من كثيرين درسوا هؤلاء العباقرة ولا تظنها أنانية أو ادعاء... ولكني أفخر بما أنا عليه، فقد ولدت في أسرة فقيرة، واللقمة عندها أهم من الدراسة وأنت تعلم إن الدراسة في هذا البلد غير مكلفة ومع ذلك أحصل على موافقة الأهل لحاجتهم ليد عاملة ومنتجة... وتعلقت بالعلم والأدب وكل ما حرمت منه... كنت أدخر مصروفي وأحرم نفسي من كل شيء لشراء كتاب...أو استئجاره حتى... لذا اهتمامي وليد الحب وليس شهادة تعلق على جدار...  
( ببسمة رضى وبعض زهو رددت غمزته) 
فقال : أمتزوج أنت؟ 
فقلت : ولدي ثلاثة  أطفال،  وأعيش بغرفة في بيت العائلة. 
فقال :أمازلت تقرأ؟ 
فقلت :يومياً ولا أستطيع النوم دون القراءة. 
فقال :ومتى تسنح لك الفرصة بثلاثة أطفال وغرفة واحدة؟
فقلت :صباحاً بعد انتهائي من العمل أعود والجميع نيام فأستغل الهدوء المتاح. 
وكنا قد وصلنا إلى مكان نزوله. 
فقال : مارأيك بفنجان قهوة؟ 
فقلت : اعذرني لا استطيع.... مال الغير برقبتي. وهذا خيانة للأمانة ( كوني أعمل على التكسي بنسبة مئوية .. وهذا نوع من أنواع التعامل بين المالك والسائق بدمشق) 
فقال :  أدفع لك أجر ليلة كاملة. 
فقلت : أيضاً اعذرني... فلو شربناها لن أستطيع أخذ مالك... فضميري لا يسمح.... فالتفت إلى زوجته قائلاً: دقائق وألحق بك... فترجلت زوجته ومضت  بمتابعة من كلانا حتى ابتلعها مدخل البناية بنوره الشاحب، فالتفت  وقال: ممكن سؤال شخصي.... لو فرضنا وجدت من يقدم لك منزلاً... فما تقول..فأجبت... بسرعة وبشكل قاطع  
_ أرفض قطعاً فليس هناك اليوم من يقدم على ذلك   بدون مقابل.... ولست مستعداً لبيع نفسي قبال أي مبلغ أو شيء.... ولهول المفاجأة أجهش بالبكاء بحرقة غريبة ونشيج يفت القلوب.... ويقول: أنا الغبي... أنا الغبي.. كان يجب أن أرفض، ففهمت من إيحاءاته بأنه وكما نقول بالشامي ( صهر بيت)*4 وحاولت جاهداً أن أخفف عنه...
وقلت له : أتعرف ببعض الحالات قد نضطر للتنازل عن بعض المبادئ، فعندما يستوقفني شرطي مرور مثلاً ولا أقدم له مبلغاً من المال.. أعلم بأنه سيلزمني مخالفة مرورية تفوق رشوته بعدة مرات والحاجة تدفعني لرشوته دفعا، رغم رفضي القاطع للرشوة.... ففاجأني بسؤال آخر من بين دموعه . 
_ والحل؟؟؟
فقلت: أقدمت على ما أقدمت لظرف ما لا أعرفه فجد واجتهد لترد ماعليك.... وتسترد ماسلب منك... فهز رأسَـهُ هزة من لا يرى فجراً سيبزغ في حلكة ليله.... ودفع لي الأجر مع إكرامية جيدة واستل بضعة محارم من علبة السيارة ومضى يمسح عينيه حتى غاب في ذات النور الشاحب....   وحولت بصري للأفق البعيد فكان اللون القرمزي يصبغ صفحة السماء وخيوط الشمس الأولى تحاول التملص من قبضة الظلمة وتتسلل بتأود ، فقلت في نفسي ستشرق من جديد ولن تنتظر أحداً... أو تتخلف... وهناك في رحم العتمه... تقبع روحاً مقهورة... واسم جديد يدون على صفحة انهيار القيم  الإنسانية. 

*1(أحدى المناطق في ريف دمشق). 
*2 ( وكان نيتشه قد كتب رائعته هكذا تكلم زرادشت بعد تخلي الشاعرة الروسية لو سالومي عنه فسرى في الأوساط الأدبية أن تخليها عنه ما أخرج الكتاب إلى النور ).
*3 ( قول شهير لألبير كامو كاتب وفيلسوف فرنسي الأب وليد ضيعة من ضيع الجزائر) 
 *4 ( صهر بيت تعني من تزوج إحداهن لمالها أو مال أبيها) 

محمد كناكري / سورية.. 11/9/2019 

   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقلم الاستاذ موسى الطيراوي

نبعة الريحان.. بقلم الشاعر.. عبدالوهاب الجبوري

(على أعتاب الليل )بقلم الشاعرة السورية مرام مروة